الشاعـــر المغــــربي أحــــمد العمــراوي لـ(الزمــان):
حاوره : عبد الحق بن رحمون
1: أريد أن تتذكر أولى الحروف التي خطتها أصابعك أين… ومتى... وكيف...؟
ج - هل يستطيع شاعر ما كيف ما كانت قوة ذاكرته أن يتذكر لحظات البدء لديه؟ لا أعتقد ذلك ما يمكن القبض عليه هو خيوط رقيقة بعيدة تقودك إلى البيت الأول: بيت مسقط الرأس حسب فكرة ل"أمبرتو إيكو" إن لم تخنني الذاكرة. هذا البيت، إذا أرجعت الذاكرة للوراء قليلا، فإنني سأراه مؤثثا بأسفار قديمة ذات أوراق صفراء وبيضاء، وذات مخطوطات جميلة لوالدي رحمه الله. منذ البدء وَجَدتُنِي داخل هذا القبر الجميل : قبر الكتاب، الذي إذا ما فتحت عينيك عليه فلن يكون لك مناص من أن تستعدي بعدواه، ورغم ذلك دعني أتذكر قليلا: ف"أين" في سؤالك سترتبط ب" فاس" ،هذه المدينة النحاسية ذات الألف سر، مدينة غاوية أو هكذا كنت أتخيلها على الأقل، مدينة هي نفسها في الأصل قصيدة قبل أن تكون محل قصيدة، ففي جزء ما من هاته المدينة، قد يكون بالصدفة هو مكان تأسيسها حسب بعض المصادر التاريخية، في منطقة تسمى "جرواوة"أو"كرواوة" - وهي المكان الذي انطلق منها تأسيس المدينة حسب صاحب القرطاس- هناك بيت صغير مطل على "باب الخوخة" كان الوضع الأول شعريا، في منتصف الستينات، وبالضبط بعد أحداث 67، كنا صغارا نعبِّر بالقول عما كان يَعِنُّ لنا، هناك كان الخروج الأول وهناك كانت البداية الأولى للتنفيس عن الظلمة بالبوح، وأنا أبحث في بقايا أوراق قديمة لي وجدت ما يلي :
مرتية على أعتاب غزة
احدودب ظهر الشيطان الإنسان
انتحر الصبر واندحر التاريخ الزمان
عادت أسطورة قيس الولهان ...للأذهان
وعلى كتفيك ترسبت الآهات الكبرى
وفي مقلتيك تجمدت الدمعات الحرى
واستشهدت بالتاريخ ... بالذكرى
وقلت آبائي كانوا سليكا وشنفرى
فطوى التاريخ كتابك
وعوى الذئب ببابك
فتحت له كل الأبواب
أطعمته وسقيته
ومن البرد وبرد الحر حميته
وفي الليل انقض عليك
أخذ لسانك ويديك
وطردك
فما عاد هناك سليكا ولا شنفرى
إلخ...إلخ ...إلخ...
كانت هذه كتاباتنا في بداية السبعينات ، وهناك كتابات أخرى أقل أهمية أذكر أنها تعود إلى 1969 أو قبل ذلك بقليل ، هذه بداياتنا حين نتذكرها ، نضحك قليلا على هذا الشكل الذي كنا نسعى من خلاله لامتلاك العالم .
المكان يأخذ بعدا رمزيا أليس كذلك ؟ ولكن للزمان أيضا بعده الذاتي والرمزي.
2:هناك قوة خفية، وأشياء قد يحسها الشاعر وتؤثر فيه بصمت، ويصبح آنذاك غير قادر عن إخفاء ما بداخله ويعيش الألم ومخاض الكتابة وعذابها قبل تنـزيلها على الورق، لو وصفت لي هذه الحالة والتجربة، لأننا بصراحة ننسى ما يحدث لنا بين لحظة كتابة قصيدة، وقصيدة أخرى…؟
ج - قد يطلق على هذه الحالة اسم"التصعيد العاطفي" sublimation ،وقد تحدث عنه فرويد بتفصيل، وهذا التصعيد يرتبط بالحلم ويرتبط بالمخيلة وكيفية اشتغالها، هذا أمر أُطلِقُ عليه "الظلمة والبوح" ( ومنه كتاب سيصدر لي قريبا بعنوان الظلمة والنص )، ففي كل فرد منا منطقة مظلمة ظلمانية تحتاج إلى مُفَرِّجٍ قد يكون هو الحلم في الحالات العادية، قد يكون هو التعبير عن هذا الحلم وإخراجه للعالم المادي المختلف قليلا عن عالم الأحلام والرؤى، تحرير سيتم بالكلام والرموز المرتبطة بالكلام، وهنا يأتي الشعر، كما قد يتم بالرسم أو الغناء أو الرقص أو الجذبة وما إلى ذلك، وهي كلها أشكال متقاربة، نحن في حاجة إلى الشعر ولذا قد يشكل غيابه موت الإنسان رغم مقولة فرويد الرائعة : " آخر إنسان سيموت في العالم هو الشاعر " ورغم المقولة الشهيرة لهولدرلين: "وما يتبقى سيتمه الشعراء". أشرت إلى النسيان وهي مسألة هامة جدا ،فالنسيان هو ما يؤدي إلى الشفاء، لا كتابة بلا نسيان وكل كتابة تَذَكُّرِيَّةٍ هي كتابة ترتبط بمنطقة النسيان أكثر من ارتباطها بمنطقة الاحتفاظ، هذا أهم فرق بين الإنسان والحاسوب أو أية آلة للتخزين في رأيي، الآلة لا تنسى إلا إذا أَنْسَيْتَهَا أنتَ، أما ذاكرة الإنسان فإن عليها أن تنسى أو تتعمد النسيان لكي تقول ما لا يقال في العادي.
" احفظ ألف بيت من الشعر، ثم انس كل ما حفظت إذا أردت أن تكون شاعرا " مقولة نعرفها ونعرف مطبقها أحد كبار شعراء العربية" أبو نواس". ولكن الألم حاصل على أية حال ولا يمكن تجاهله، والقوة الخفية الموجودة بداخلنا نحن الشعراء هي سر كلما سعينا إلى إدراكه اقتربنا من منطقة الاحتراق. ألم يقل الشاعر قديما :"إن قلع ضرس أهون علي من كتابة بيت من الشعر " ؟ ألم يغرس عبد الرحمان الأبنودي أصابعه في عنقه وهو يبحث عن كلمة أو كلمات تحرك منطقة الظلمة هذه وتنيرها لعلها تنار ببعض الشعر ؟.
الشعر ضرورة وكفى، ولادة تشبه في تفاصيلها تفاصيل الولادة الطبيعية أو القيصرية لكائن بشري- وستصدقني فيما أقول لأنك شاعر أيضا - ولابد في الحالتين من رعاية، من اهتمام، وكل تفريط قد يؤدي إما إلى موت الوالد أو موت المولود، وبعد الولادة العسيرة أو السهلة حسب حالات الشاعر وحسب درجات التصعيد يأتي الاهتمام بالمولود وتربيته، وقد تكون الولادة الأولى هي الأشد صعوبة تم تأتي العادة بعد ذلك ولكن كما يقول الأطباء أن لا ولادة تشبه أخرى رغم الخروج من الرحم الواحد، فكذا بالنسبة للشعر لا قصيدة تشبه أخرى وإلا وقع التناسخ، والتناسخ « clounage » سيؤدي إلى تشويه الناسخ والمنسوخ معا ويرمي بهما بعيدا في منطقة قد ترتبط بأي شيء إلا بالشعر.
3 – الشاعر في هذه الفرضية من العالم، أصبحت له اليوم وساطة ليحول العالم الشعري إلى قرية صغيرة.
ما هي الظرفية التي تتعامل فيها مع الكمبيوتر؟/… لكن هناك بعض الأصدقاء من الشعراء يخشون التعامل مع الكمبيوتر… أو الإبحار عبر الإنترنت.. شخصيا لا أعتقد أن هذه ظاهرة غير صحية..هل تتفق معي(أرجو في هذا السؤال أن تتحدث عن تعاملك الشخصي مع الكمبيوتر- والانترنيت انطلاقا من قناعاتك)؟
ج- الشعر والإنترنت. في مرحلة سابقة كتب قد كتب مقالا حول هذا الموضوع يحمل نفس العنوان "الشعر والانترنيت" وهو موجود الآن ضمن كتاب " الشاعر وظله" الذي صدر أخيرا عن دار الأمان بالرباط بدعم من وازارة الثقافة المغربية مشكورة، وقد انطلقت فيه من ديوان المتنبي الذي كان منشورا آنذاك على الصفحة الأولى لموقع "صخر" قبل أن يتحول إلى "عجيب" اسمح لي أن أقلب على بعض الأوراق لهذا الموضوع وسأقرأ عليك بعضا منها إذا سمحت .
" المتنبي في الشعر العربي القديم منه والحديث كالإنترنت في التواصل العالمي، كلاهما ملأ الدنيا وشغل الناس . شعر المتنبي يتيح الرؤية للأعمى، والسمع للأصم، قدرة على البوح عوض آخرين كثيرين، أنا لأنا الآخر .هذه المقارنة عديمة المعنى في الظاهر، لكنها تطرح السؤال العريض : من الذي يشغل الناس أكثر المتنبي أم الإنترنت ؟
يتيح الإنترنت القدرة على التواصل الداخلي والخارجي بشكل سريع، يتيح القدرة على التيه في أرض الله وسمائه، يتيح التحليق بالعين، بالذهن، بكل الحواس، وبالأعضاء الأخرى الأقرب والأكثر حساسية والتصاقا بظل الجسد . انتقال إلى عوالم المشاهدة والتلذذ والأحلام الملونة والعادية، تواصل تواصلي يصل الظاهر بالظاهر من أجل فك عزلة هاته الظواهر وربما تعقيدها أكثر فأكثر ، بأمل فك الالتباس، التباس الذات وظلها .
أنشأت شركة صخر للمعلومات موقعا عربيا للاتصال عبر الإنترنت يضم مواقع للبحث والاتصال الإلكتروني، ومواقع مكتبية ملونة منظمة سريعة التشغيل أحيانا وغير سريعة أحيانا أخرى. يضم الموقع معلومات، ويضم داخل كل هذا موقعا تظهر على شاشته اليسرى صورة رجل عربي أعرابي بكوفيته وعقاله، ولحيته النصف مشذبة. بقليل من التأمل فقط تستطيع التعرف عليه إذا كنت من أهل الحرفة وأهل الاحتراق، أي الشعر. من يكون هذا الأعرابي غير المتنبي.
قصائد – بحث – قوافي –مطارحات .إغراء – شغل – ملء. الإنترنت ملأ الدنيا بمفهوم عولمي، وشغل الناس بنفس المفهوم حاليا. والمتنبي ملأ دنيا العرب وشغلهم قديما وحديثا بأشكال مختلفة، لنتأمل دلالة الشفرات في زمن لم يعد فيه للبراءة الساذجة موقعا.
من داخل الشعري بالشعري وبتنبؤ الشاعر نقول: حضور الشعر، وشعر المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، داخل الشبكة التواصلية ، بجهاز كومبيوتر يُشغّله فيشتغل به الآن، له أكثر من دلالة تدعو إلى دخول هذا العالم بتواصل بين الشعراء العرب الذين تزداد ظروف انفصالهم عوض تواصلهم أكثر فأكثر ص 57-60 "
من ناحية أخرى ستجد مقالا كنت قد نشرته على دفعتين بجريدة القدس العربي وبجريدة الاتحاد الاشتراكي وهو موجود الآن ضمن موقع قاسم حداد الرائع في جهة الشعر، يمكن الرجوع إليه لفهم هذه العلاقة بين الشعر والانترنيت كما أتصورها، ولنعد إلى سؤالك وقد طلبت تحديد الموقف الشخصي.
صحيح أن العالم أصبح عبارة عن قرية صغيرة في وقت تكاثر وتزاحم المعرفة والمعلومات وإثارتها لمختلف حواسنا وذواتنا، أنا شخصيا لا أرى مبررا للخوف من الآلة- رغم أنها لم تستطع بالنسبة لي على الأقل- أن تعوض الكتابة اليدوية بما أن الكتابة اليدوية هي كتابة دموية- والخوف في هذه الحالة هو ظاهرة غير صحية وأتفق معك إلى حد كبير في أن التعامل مع الحاسوب والأنترنت أصبح حاجة ملحة وإلا فسيصبح الشاعر كما السياسي العربي خارج التاريخ، إلا أنه يجب ألا نغفل أسباب ذلك والمتمثلة في محاولتنا المحافظة على هذه الآلة الورقية ونحن ننزل برأسنا قليلا للأسفل لنخط على الورق باليد ما لم نستطع فهمه أي القصيدة. التعوذ والعادة والسرعة سرعة تدوين الخارج خاصة إذا كانت إبداعا نهريا متدفقا يستعصي على التوقف، أصدقك القول أنني لو كنت سريعا لكتبت على الآلة مباشرة ولا حرج في ذلك بما أن الحاصل واحد وهو الكتابة، ولكن الخوف يأتينا ربما من الضياع، ضياع الفرد في العصر داخل الآلة التي أخذت تبتلع كل داخل وخارج، آلة نحاول بها تعويض العادة الطبيعة أي اليد دون إلغائها، أنا شخصيا أتعامل مع الآلة يوميا، في كل يوم أفتح الحاسوب والإنترنت يوميا أفتح البريد الإلكتروني إلا في حالات نادرة، الأمر الذي قد أصبح شبه ملزم لي، أتصفح موقع قاسم حداد يوميا ومواقع الملاحق الثقافية والصفحات الثقافية مثل موقع ألف باء بجريدة الزمان أو القدس العربي أو الشرق الأوسط أو غيرها حسب الحاجة والوقت . أصبح بإمكاننا الآن التعرف على آخر المستجدات الثقافية والشعرية. وبالنسبة لنا نحن الشعراء فإن عالم الأنترنيت هو عالم افتراضي ولكنه عالم تواصل بين كل شعراء العالم، وكم شاعرا تعرفت عليه ولا أعرف القسمات الحقيقية لوجهه إلا عبر صورته على الأنترنيت إذا وُجدت. على شعرئنا العرب والمغاربة أن يقتحموا هذا العالم الافتراضي الجميل، عليهم التواصل بواسطة بدون خوف، هو يسهل ويعمق ويؤدي خدمة كبيرة للشعر والقصيدة في زمن قل فيه الشعر وتعددت الأرقام. زمن رقمي نحن الذين صنعناه، ولذا علينا التحكم في هذه الصناعة قبل تحويلها إلى خطر علينا، وهنا أجدد دعوتي لكل الشعراء بإنشاء مواقع لهم للتواصل، للتعارف، لتحويل الرقم إلى شعر، والآلة إلى قصيدة، والحجر إلى حياة.
4- بين يدي الآن ديوانك الشعري "ينابيع"، وجدتني أقلب الصفحة تلو الأخرى عند قراءته حيث رأيت كتابة مائية واحتفاء بالماء وبلغة مقطرة، ومن هذا الارتواء نفحات ومقامات صوفية في احتفاء بالمكان "فاس".
ما طبيعة هذا الماء الشعري الذي أفردت له قصيدة هي بمساحة صفحات "ينابيع"؟
ج- ينابيع مائية هي ديواني الشعري الثاني بعد الديوان الأول الذي طبع للمرة الثانية بإلحاح من دار الأمان بالرباط وهذا ما يؤكد صحية الوضع الشعري بالمغرب رغم ما يقال عنه من موت واصفرار.
" ينابيع " هي قصيدة مائية كتبت بين 2001 و2002 وإرهاصاتها كما تعلم، وأنت شاعر، كانت قبل ذلك بكثير، لا يستطيع شاعر مهما كان أن يحدثك بتفصيل دقيق عن أسباب نزول قصيدته إذ لا أحد منا يتحكم في وقت خروج القصيدة، لم أكن أعلم أن هذا النص المائي يسير بهذا الاتجاه، ابتدأته وكنت أستمع بكثرة في هذه المرحلة لموسيقى " عيساوة " و "جيلالة " و " كناوة " وموسيقى المجاذيب المغاربة، قد يكون حديث هؤلاء على الماء عن الأصل ، وعن طقوسية الماء موحيا، إلا أن هذا لم يكن منظما في ذهني، بعض المقاطع كنت أكتبها على علبة أعود ثقاب لعدم وجود ورق معي، بعضها كتبتها أثناء اجتماعات رسمية، البعض كتبته في السيارة على علبة كلينكس، كانت الكتابة نهرية تسير بلا توقف، والعودة للمكان الأول، للأصل، لفاس وهي مدينة مائية بامتياز ، رغم تسمية البعض لها بمدينة النحاس، كنت أحلم بفاس، بفاس المتخيلة، بفاس ابن عربي وابن الحطيب، بفاس كبار الصوفية القدامى والمتأخرين المتنورين ، طفولتي في فاس كانت طفولة مائية، من "وادي الزيتون" إلى "جنان السبيل" إلى "خولان" وكلها أماكن مائية، كنت أبحث عن أصل المدينة ويعجبني كتاب : " الأنيس المطرب بروض القرطاس في ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس لابن أبي زرع " الذي تحدث بتطويل عن هذه المدينة وجدت أن أويل حجرة في فاس وضعت إذا لم تخنني الذاكرة في منطقة تسمى "كرواوة " أو"جرواوة" هي منطقة توجد ب"باب الفتوح " الشهير هذا المكان هو النبع الأول الذي نشأت فيه المدينة وكان مكان شديد الخضرة لا يجف ماؤه مهما كان، مكان أصلي نبعي نهري هو المكان الذي تربيت فيه ونشأت ولا زال منزلنا فيه، ولازال ببيتي الصغير المحاط بمكتبة التي تغطي ثلاثة من جدرانه، بيت أذكر بنشوة عارمة الآن كم استضاف من كتاب ومثقفين وحتى مناضلين مغاربة أتذكر منهم: النقاد والمفكرون : سعيد يقطين، فريد الزاهي نور الدين الزاهي، الشعراء : محمد حمو، عزيز الحاكم، مجمد الراشدي، إدرس السراج سعد سرحان الكاتب : محمد جسوس ، المثقف محمد كورماط، ، والصديق فتاح الديوري المخرج المسرحي المقيم الآن بألمانيا، وحميد لمشمش الكاتب والمترجم المقيم بالنمسا إضافة إلى أخواي:إلياس إدريس ومحمد العمراوي المقيمان الآن بفرنسا، والقائمة طويلة.
هذا مكان نَبْعِي منه انطلق الشعر في سنوات الجمر والرصاص بالمغرب.كلنا يحاول الشد على لحظة الانطلاق، لا بد من تنقيح الشعر وهذا ما حصل في المرحلة اللاحقة تناصات عجائبية وصوفية وحداثية تداخلت فأعطت هذه الينابيع المائية،من "عوام" و"غطاس" "وادي فاس" إلى فسيفسائها، إلى الرجوع إلى أصل الأشياء أي النقطة والألف.
كنت أتخيل سيدي الشيخ مولاي محيي الدين بن عربي سائرا أمامي وأنا أخط بعض هذا الماء، وشكرا لك على سؤالك الذي جعلني أعترف أمامك الآن، الماء المختلط القائم بين الحب والحرب، بين الخيال وتوهم الواقع، بين الماضي ومستقبل مجهول يحاول الشعر أن يهدئ من بعض روعه. وفاس كما كانت مجمع أهوائي فهي ينابيع مائية، ولكن ما يجب أن نؤكد عليه هنا هو أن ليس للمكان المادي أي معنى في الشعر وإلا فلا حاجة للقصيدة، المكان بعد رمزي، وكل شاعر سيختار مكانه أي ديوانه، وأنا لم أختر فاس هكذا وإنما لكل الأسباب التي ذكرت ولأسباب أخرى لا زلت وسأظل أجهلها بما أنها تسكن فينا باستمرار.
5 - مسألة الأجيال هو تصنيف إجرائي لا غير يستعمل في النقد الأدبي. كثير من الشعراء لا يحبذون تصنيفهم ضمن خانة معينة. هل تقبل في هذا السؤال أن نضع هذا الافتراض؟ ما الذي يميز هذه الأجيال الشعرية بالمغرب؟ ماذا أضاف جيل الثمانينات للحقيقة الشعرية؟ ما التراكم الذي حققه الجيل الذي تنتمي إليه؟
ج- الشعر والمجاملة تصنيف إجرائي هذا صحيح ولكنه قد يحمل نقيضين، إذ أن البعض يستند فيه إلى الأسبقية والأقدمية والأولية، بينما يعتبره البعض الآخر تقادما وسلفية شعرية وقدما عليه أن يقتله كما يقتل الأب معنويا طبعا من أجل القضاء على هذه الأولية، وأعتقد أن النقد هو الذي بإمكانه إظهار الأصيل وتمييز الشعري من الزائف في هاته المثال بما أنه يمتلك مع القارئ أدوات التمييز الذوقية والجمالية. والذي يميز الأجيال الشعرية المغربية يحتاج إلى دراسة متأنية لرصد وتصنيف كل القصائد بدون استثناء وتجميعها، وقد ابتدأ هذا العمل مع تجربة بيت الشعر في تجميعه لقصائد الشعر الرومانسي المغربي مثلا، نتمنى أن يستمر هذا العمل ولكن بعمل يراعي كل الشعريات المتواجدة التي يتحكم فيها الشعر وليس شيئا آخر .
جيل الثمانينات هو جيل البيانات الشعرية، هو جيل القصيدة المفتوحة على كل الاحتمالات، فيه كانت البدايات لقصيدة النثر وللقصيدة الجديدة المتحرر من أغلال البلاغة التي كثيرا ما أساءت بل وقتلت الشعر الحديث حين استعملت بمبالغة فائقة وأصبحت هي المقصودة بدل الشعر . جيل الثمانينات حقق تراكما شعريا متميزا كما وكيفا غير معهود ، سيستمر إلى التسعينات مع ظهور مزاحمة شديدة لأجناس أخرى كالرواية والقصة قد لا أكون في موقف جيد لأستطيع الحكم على جيلي الثمانين والتسعين ولكن ما يمكنني الإشارة إليه هو ذلك الانطلاق الهائل على مستوى التأسيس للقصيدة الجديدة والذي كان مواكَبا بدراسات هامة حول الشعر والشعرية بحثا وكتابة وترجمة ثم على مستوى المهرجانات (مهرجان شفشاون- مهرجان الرباط- ملتقى الشعلة- مهرجانات بيت الشعر… الخ… وقد يكون تأسيس بيت الشعر في المغرب أهم ما حصل في هذه المرحلة، هذا البيت الذي عليه أن يمتد إلى كل الفعاليات لا أن ينتظر من هذه الفعاليات أن تأتي إليه لقد اصبح الشاعر الحديث في وضع صعب تواصليا لسباب موضوعية وذاتية متعددة ، ولذا أعود من هذا المنبر لأدعو الشعراء للتواصل عبر الأنترنيت فهي خير وسيلة لتبادل الرأي ولقراءة القصيدة .
6- ألا تلاحظ معي أن هناك تقصير في بعض المؤسسات الثقافية سواء كانت جمعيات أهلية أو حكومية في تكرار وتكريس نفس الأسماء في عدد من الملتقيات الشعرية حتى أن بعض الأسماء أحست من تلقاء نفسها أنها على وشك الاستهلاك.في نظرك ما أهمية المؤسسة الثقافية بالنسبة للشاعر..؟ وهناك أسماء شعرية مغمورة عندنا في المغرب لا يتم الانتباه إليها إلا بعد أن تذهب إلى جوار ربها…هل تتفق معي في ذلك ؟
ج - يقع التقصير عن جهل أو تجاهل أو بالعمد وفي كل الحالات هناك تقصير في حق الكثير من الشعراء خاصة وأن الشاعر الحقيقي لا يسعى إلى فرض ذاته على الآخرين، وإنما على المؤسسة أن تسعى بالبحث عن الشاعر، بتوريطه في القول الشعري بحثا وإشراكا، الشعراء قلة في المغرب، وهي قلة متفاوتة، وداخل هذه هناك القليل من الشعراء ممن يحمل هَمَّ الشعر والقصيدة في ذواتهم بشكل دائم.
ما يحدث من تهميش لا يطال الشعر وحده وإنما هي ظاهرة تمس كل الأجناس الأدبية والإبداعية الأخرى بحكم غلبة الصورة على المكتوب، وتحكم ثقافة الاستهلاك السهل، ولعل تكرار نفس الأسماء في الكثير من الملتقيات يعود لهذه المؤسسات أولا ويعود كذلك للأشخاص أنفسهم، وبما أن الشاعر " أناني " بطبعه بشكل ما فهو لن يسعى إلى رفض دعوة وجهت له من هاته الجهة أو تلك، وهنا على المؤسسة أن تتدخل، وأخص بالذكر مؤسسة بيت الشعر التي أعتز بها قوة فاعلة في المغرب، رغم عدم انتمائي لها لحد الآن وهذا أمر غير هام في رأيي، عليه أن يتدخل بآليات يمتلكها وبقوة تنظيمية يمتاز بها مؤسس البيت الشاعر والباحث محمد بنيس ، وأعتقد أنه لو تم الاتفاق مع هذه المؤسسة والتي بالمناسبة عليها أن تنفتح على كل الأصوات الجادة وعليها أن تتحول إلى مؤسسة بحث وتوثيق وتنظيم بأن تكون بشكل ما هي السلطة الشعرية العليا في البلد عبرها تتم المهرجانات وعبرها يتم التكريم ولكن بشكل جماعي لا بشكل يغلب عليه الاعتماد على التجارب الفردية لأشخاص معينين ، لو تم ذلك لاختصرنا الكثير من الوقت ووفرنا الكثير من الجهد في وقت لم يعد يسمح بذلك .
7- بيت الشعر في المغرب أشبه بمصحة، لا أقول من أجل العلاج، ولكن من أجل المحبة والحوار في الشعر في وقت أصبح اللقاء بين الشعراء المغاربة استثنائيا.ما جدوى هذه المؤسسة الثقافية في زمن يصعب فيه الإيمان بأهمية الشعر؟.
ج- بيت المحبة هذا التعبير الجميل من طرفك هو ما يجب أن يكتب على يافطة بيت الشعر المغربي، هذا البيت الذي بفضله استطاع المغرب الشعري أن يثبت مكانه في كل اتجاه، وهي بداية نتمنى أن تستمد قوتها من قوة الشعراء بمحبة حقيقية أساسها الشعر، وبعيدا عن الأشياء الصغيرة وعن مصالح جزئية ضيقة ، إن هذه المصحة كما أشرت هي الحضن الدافئ الذي عليه احتواء كل الحساسيات ولو بالبحث عنها واحتوائها . بيت الشعر يحتاج في رأيي إلى أشخاص فاعلين يُغلِّبون الأعلى على الأسفل من أجل القصيدة والشعر ولاشيئ غير القصيدة والشعر.
كان الشاعر في السابق يشكل لوحده بيتا، ولكن الآن، وفي زمن أصبح فيه الملموس العياني يغلب الخيال، أصبحت الحاجة ماسة إلى العودة إلى الخيال والتخيل من أجل مصالحة الذات مع نفسها أي الجسد مع الفكر والروح، جسدي يحملني جهة ما وقد أفكر فيه أكثر من اللازم، وقد أساعد هذا الجسد على العيش بسلام في عالم لم يعد فيه للسلام معنى بالخيال والتخيل، والشعر هو سيد الخيال والتخيل. مؤسسة بيت الشعر هي مؤسسة رفع الخيال عاليا أي رفع الحلم الجميل للشاعر بالانتباه لوضعه الاعتباري وإعطائه قيمته التي يستحقها، ولكن كما قلت، بشكل جماعي، وبنقل التجارب الفردية للآخرين، بالحوار وتبادل التجارب الجماعية، ففي المغرب طاقات قوية قد لا يهمها إلا العمل من أجل الشعر والقصيدة.
قد يكون دور الشاعر المغربي محمد بنيس فاعلا وأساسيا في هذا البيت بحكم تجربته وغيرته ودفاعه المستميت على القصيدة المغربية، ولكنه دور غير كاف إذ عليه أن يتعزز بفعاليات أخرى وبنقل التجارب لهذه الفعاليات على مستوى التنظيم، وبالبحث في أشكال أخرى للتواصل والحوار بين الشعراء، كل الشعراء.
8- في بعض الأحيان… الإنسان ينتابه الشعور بالندم وخاصة في واقعنا العربي الجريح.هل أنت نادم لكونك شاعر؟
ج- صدقني إذا قلت لك أنني لم أندم ولا أعتقد أنني سأندم يوما على هذا الهم الجميل الذي يسكنني والذي نسميه الشعر. قد تنتابني في الكثير من الأحيان حالات حزن حادة أو شبه اكتئاب شعري وهذه مسألة عادية بالنسبة للشاعر، أي شاعر مهما امتلك من شهرة أو مجد مادي ومعنوي، إذ أن سعي الشاعر للبحث عن الكمال هو شبيه بل رديف لبحث الصوفي عن الله، مطلق لن تصل إليه إلا بالتجربة، وهي تجربة قد تمتد إلى ما بعد الحياة أي بعد موت الشاعر، بظهور من يدرس ويحلل ما خلفه الشاعر، واقع جريح، نعم، وعلى الشعر أن يضمد هذه الجراح بالصراخ تارة، وبتهدئة النفوس تارة أخرى. إن العنف الذي نشاهده الآن في كل مكان هو وليد اختلالات كثيرة على جميع المستويات، والتي من بينها عدم التوازن بين الجسد وحامل هذا الجسد، أعني الفكر، وبين الحاجة إلى الشعر باعتباره الوسيلة الأساسية لخلق التوازن بين حلم مبالغ فيه وحلم قابل للتحقق، حلم بالكلمة الجميلة التي تضحكك في وقت الحزن وتهدئك وقت العنف.
9- كلمة في الهواء الطلق(كلمة تريد أن تقولها ولم أسألك عنها)؟.
9- أدعو في هذه الكلمة الأخيرة إلى مزيد من الشعر وإلى مزيد من التواصل بين الشعراء عبر كل الوسائل وخاصة عبر إنشاء الكثير من المواقع على الانترنيت من أجل فك عزلة الشخص عن ذاته، ومصالحة الفرد مع طموحاته، من أجل الشعر والقصيدة التي أعتقد أن المغرب الشعري قادر الآن أكثر من غيره على قيادتها، فكما حصل حين حقق المغرب للشعر يومه عالميا، فهو قادر بهذا أن يحقق للمغرب قصيدته المتميزة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق