الشاعر احمد العمراوي ل"الصحيفة"
الأدب لا ينتعش إلا من داخل أزمته
يعد الشاعر احمد العمراوي احد الأصوات الشعرية القادمة بقوة، معلنة عن نفسها كتجربة مختلفة، بعد ديوانه الأول "مجمع الأهواء" الصادرة سنة 1997، يعود عبر نص شعري طويل الملم نصاعته في اضمومة أنيقة حملت عنوان "ينابيع" ."الصحيفة" التقته على هامش إصداره الجديد اقترابا من عالمه المسكون بلغة وجدانية متأملة، وأجرت معه الاستجواب التالي:
استجوبه: سعيد الوزان
*أصدرت مؤخرا ديوان شعر وشمته بعنوان "مائيات"، كيف تقدمه لعموم القراء؟
-اذا اعتبرنا مسالة النشر فهي تجربة قصيرة نسبيا، بمعنى إنني قمت سنة 1997 بإصدار ديوان الأول "مجمع الأهواء"، ولكن في الآن نفسه، اعتبر أن تجربتي متجدرة، لكوني منذ البداية وجدتني اكتب الشعر، قد يعود هذا ربما لأسباب عديدة من بينها تنشئتي داخل بيت يضم مجموعة من الأسفار القديمة كان والدي رحمه الله يمتلكها، مثلما وجدت أمامي بعضا من أفراد العائلة الذين يعشقون الأدب، فجدي كان يكتب شعرا كلاسيكيا، ولكن الكتابة بمعناها الحقيقي كانشغال أساسي، فقد توطدت وشائجي بها خلال الثمانينيات، وسوف تكتمل بتجربة الطبع التي تمنح ربما المصداقية لأي شاعر كيفما كان، أنا لم انشر في البداية قصائدي لا في جريدة أو غيرها، وقد كانت مغامرة كبيرة أن أصدر ديوانا ولا احد يعرف عني شيئا تقريبا باستثناء أصدقاء مقربين، ومن حسن الحظ أن ديواني الأول لاقى إقبالا جيدا واستقبالا متميزا من لدن الإعلام والقراء، وقد طبع طبعة ثانية بإلحاح من دار الأمان للنشر.
*القارئ لديوانك سيطالع للوهلة الأولى نفسا شعريا طويلا، يمتح من الصوفي بما يحمله من هدوء صاخب، كيف ارتبطت بالتجربة الصوفية كتابة من جهة، وكيف استغلت عليها ؟
-حضور النفس الصوفي في كتابتي له عدة عوامل، فالأول يعود لتكويني الذاتي، إذ إنني درست بداية في القرويين بفاس، وكان ما تلقنته يحمل سمات الكتابة القيمة في مجملها، ولم تكن موضة مثلما هو حاصل لبعض الكتابات المعاصرة، دون أن اخص أسماء بعينها، فمنذ البداية تلقيت دراسة معمقة في الأصول والفقه، في الفكر السني والفكر الصوفي، ولكن بعد ذلك لا ادري كيف يمكن للفرد أن يمضي، هل هو من يختار الكتابة أم هي التي تفرض نفسها عليه، فالقاموس الصوفي أو الديني يجب ألا يكون إقحاما فقط في
روح الشعر، بل يجب أن يتعلق الأمر بدراسة معمقة، وما يسميه الآخرون نفسا صوفيا، لا اعتبره كذلك، بل انه يقدم ذاته كمتخيل بكل عجائبيته، والفكر الصوفي ربما، لاسيما لدى الشيخ الكبير ابن عربي، يمنحك متنفسا للهروب من مادية العصر و من المسالك الضيقة التي يحبل بها، وأيضا، من الفهم السيئ للتراث نفسه، إذن، فهو فكر منفتح على العالم وعلى المتخيل.
لقد وجدت نفسي غارقا في هذا الفهم، أن ذلك لايعني أنني أستنجد بالقاموس الصوفي وحده، فلابد من دراسة حتى لا أسقط فهما مغايرا أنتجته شروط تاريخية بعينها على واقع مختلف. سيظهر هذا النص داخل الديوان باعتباره واحدا، ونهريا مثلما أشار إلى ذلك ذ.نجيب العوفي.إذن لابد أن تلتجىء إلى تقنية ما في التعبير، فاختار قاموسه، وأيضا تيمة الماء، بما تحمله من دلالات لدى المتصوفة وغيرهم، والأمر هنا لايعني الصوفية الإسلامية فقط بل انك ربما ستجد نفحات لصوفية مسيحية أو يهودية أو بوذية، إذن كل هذه العناصر حاضرة بقوة، فقط تحتاج لشروط ما كي تخرج. وما أؤكده في هذا الشأن، أن ديوان: "ينابيع" لا يستحضر النفس الصوفي فقط بل نجد الغر ائبي أيضا، هناك عناصر كثيرة يقدمها الديوان، وهذا مطروح على عاتق النقاد لأنهم وحدهم قادرون على كشف ذلك.
* بارتباط مع ما سبق وقلت، أريد أن ألاحظ معك، هذه الهوة التي يعيشها الشاعر، وما يشبه الفصام الذي
يحياه، ثم أسئلة الحاضر التي تلقي بظلالها عليه بكل اشتباكاتها و التباساتها، ما تعليقك؟
-اعتبر أن هذا السؤال جوهري، اعتبارا لعلاقة الشاعر الحميمة به، بما يكتبه الشاعر وما يحياه، وأيضا
ما يبلغه مع البحث عن مواطىء جديدة، ولعل مأساة الشعر هي هاته، هي أن يكون ذاته وأيضا أن يتصالح وقضاياه، المشكلة مرتبطة أساسا في رأيي باللغة، فهي لها حمولتها، قاموسها، مثلما عليه
الشأن لدى كل اللغات الأخرى، ففي تصوري يجب ألا ينفصل الشعر عن ذات الشاعر أولا، ثم عليه ألا ينفصل عن لغته، أي الشكل الذي درجنا على الكتابة به، بمعنى أن هناك كتابة تسمى كتابة النشر، وشخصيا لست ضدها، لأنه يمكنها أن تكون جيدة، ولكنها تذهب إلى أقصى حد ممكن، مما يطرح سؤالا حول آفاقها، ألا يمكن أن تصل بدورها إلى أزمة ؟ مثلما حصل مع القصيدة التقليدية، أي أن هذا الفتح أكثر من الازم للنثري في الشعر، سوف يؤدي إلى موت الشعر وبقاء النثر، رغم أن هذه المسألة لن تقع اذا كان الشاعر يضبط ويحترم هذه الحدود. وفي سياق آخر، فاني أرى أن الشعر دائما تنبؤي، فالشاعر إذا لم يستطع أن يتنبأ، لا يمكن أن نعتبره شاعرا بالمفهوم الحقيقي للكلمة، نذكر أن محمود درويش كان قد تنبأ بما سيقع في بيروت في قصيدته الشهيرة "بيروت" بكل التفاصيل. فطبيعة الشاعر
تذهب به إلى استشعار الأشياء القادمة، ومهما يكن، فالشاعر سواء كانت لغته تمتح من القاموس الصوفي أو من قاموس حديث، أو من لغة حداثية فالأساس فيه هو حضور النبوءة كعنصر مدهش وفعال.
*ألا تحس القصيدة الآن، بعجز كلي أمام ذاتها بالنظر إلى سأمها من إعادة نفس التيمات ونفس العوامل ونفس الإيقاع، أيضا، أمام ما يطلب منها ومن الشاعر بما أنه كائن نبوئي مثلما أشرت ؟
-دائما أتذكر تلك المقولة الشهيرة "ما تبقى يؤسسه الشعراء"، واذكر أيضا ما قاله فرويد "آه، اذا كان هناك من موت للإنسان فان آخر شخص سيموت هو الشعر " بمعنى أن عجز اللغة هو حاصل دائما، ومضايق الكتابة مثلما تسمى هي التي تولد كتابة جديدة، كلما عجزت اللغة عن التعبير، إلا وبحث الشاعر عن جديد ومغاير وفي ذلك حياة للقصيدة وليس موتها، إن الأدب لا ينتعش إلا من داخل أزمته
، فبدونها، لا يمكن أن نأتي بأشياء أخرى، وكل شاعر يستند إلى مرجعياته ومتخيله لكتابة نصوصه، وفي ذات الوقت، يظل الإحساس بالعجز حاضرا دوما لديه، وربما قد يكون الشاعر إلى تطليق القصيدة، خاصة في المغرب، إذ أن الأغلبية الساحقة من الكتاب ابتدأوا كشعراء وتحولوا فيما بعد إما إلى نقاد أو روائيين..... الشعر صعب جدا، ومن طبيعته الغموض والتكثيف، وبالتالي فالإنسان الحديث أصبح ينأى عنه بالنظر إلى السرعة التي أضحينا ندبر بها اليومي. وهنا أعتقد أن الشعر عليه أن يقاوم ويبحث عن
موطىء قدم له، ولا شك في هذا الباب أن البقاء للشعر الحقيقي. إنني لا اتفق مع من يقولون بموت الشعر أو الأدب، بل أشدد على أن الشعر بخير في المغرب وربما أصبحت عودته مبشرة بنهضة قادمة باختلاف حساسياتها ومشاربها على خلاف ما كان خلال سنوات الستينات والسبعينات.
* أعود معك إلى عزلة الشاعر القاسية، فاشتغاله على المخيلة واللغة في زمن لايأمن بقيم الجمال على الأقل، وبحيث انه يقابل باللامبالاة، فهو أيضا يقوم بهجوم مضاد، فيما القارىء ينأى عن قراءة القصيدة الشاعر بدوره يمنع أكثر في الانغلاق على الذات بلغة أكثر تكثيفا وغموضا، برأيك، كيف السبيل إلى تحقيق المصالحة مع القارىء؟
- أرى شخصيا أن الهروب لا يهم الشعر فقط بل هو هروب من كل ما هو مكتوب ومتعب، لأن القارىء يبحث عن أسهل وسيلة للمعرفة وتلبية حاجياته الذوقية والروحية، مسألة التلقي والمقروئية تطرح ربما نفسها بإلحاح. إذ كيف يمكن أن نعيد للشعر بهجته وقراءه.
المسألة في عمق الشعر نفسه، لن نقول أنه بخبوي ولكنه في نفس الوقت غير موجه للعوام.
إذا لم يحمل الشعر رمزية و تأويلا متعددا فسيسقط في البساطة والعادي، وبالتالي سيصبح مستهلكا وسوف نقرأه مثلما نقرأ خبرا عاديا، بذلك فان الشعر يمتلك خصوصية البقاء والديمومة.
إذن مسألة لجوء الشاعر إلى عزلته تظل جد طبيعية. أذكر بإعجاب ما قاله "عزرا باوند " لما سئل لماذا
يكتب بهذا الشكل، أجاب مستهزئا: "في البداية كنت أكتب ويفهمني بعض الناس، وبعد مدة وجدت أن ما أكتبه لا أحد يفهمه سواي، وفي مرحلة أخرى أنا نفسي لم أعد أفهم ويبقى الله وحده يفهم " .
أن مسألة الغموض لصيقة بالشعر منذ القدم، وكل الشعراء الذين كانوا يلجأ ون إلى التبسيط يموتون بسرعة.
* اذا تحدثنا عن المشهد الشعري المغربي راهنا، من موقعك كشاعر لا شك أنك تتابع مختلف التجارب التي تبصم بحضورها ملمحه، كيف تقرأها، ومن خلال ذلك أين تموقع تجربتك تجربتك الخاصة ؟
- سأبدأ بالجزء الثاني من السؤال كي أقول أن النقاد المهتمين وحدهم يستطيعون توضيح ذلك، ولو أني أموقعها كفعل متواضع وخاص، باستحضار الشرطة الذاتي، أما بالنسبة للمشهد للشعري المغربي، ففعلا، قمت طيلة سنوات برصده وسبق لي أن نشرت في جريدة "العلم " سلسلة أسميتها: " في المشهد الشعري الراهن " حول علاقة الشاعر بالمتلقي والجمهور، وبالأثنى...... و هي سلسلة طويلة قيد الطبع الآن تحمل عنوان: " الشاعر وظله " أتمنى أن تصدر قريبا عن دار أفريقيا الشعر، باختصار لا يمكننا أن نصنف المشهد الشعري بالمغرب إلى مدارس أو غيرها، شخصيا أفضل أن أصنفه إلى أصوات شعرية، إذ أنه من الصعوبة الآن العودة إلى الحديث عن موجات لماذا، لأن الفرد الآن أصبحت لديه القدرة على أن يقدم ذاته كموجة لوحده، لسنا في حاجة لأن نؤسس جماعة الصوفية الجديدة، أو جماعة قصيدة النثر، أو غيرها، الآن الفردانية أضحت طاغية، فنحن نتقاسم أشياء كثيرة، ولكننا في الوقت نفسه نختلف. وداخل ثوابت الكتابة التي لا ينبغي الخروج عنها، على كل شاعر أن يقدم تفرده وتميزه ولم لا يحمل أصواتا متعددة فيه. بذلك يمكن القول أن الحقل الشعري هو جد متشعب ومختلط ولا أعتقد أن بامكان أي كان أن يرصده ببساطة. طبعا مع ما يفرض ذلك من متابعات جادة وحقيقية لكل ما ينشر. وعلى الشعراء الكبار بين قوسين أن يلتفتوا لأصوات قادمة بقليل من الإنصات والدعم المعنوي فقط.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق