مقدمة
اقتحام اللغة :
يتعامل التلميذ في المرحلة الثانوية مع اللغة عادة كشيء جامد. قوالب وقواعد تحتاج إلى حفظ وإعادة كتابة لمكتوب أصلا . إعادة نفس الأفكار ، ويكاد التلميذ في هذه المرحلة أن يعتمد على الكتاب المدرسي بشكل كلي، مما قد يجعل هذا الكتاب رغم أهميته عائقا للتعلم بعد أن كان وسيلة أساسية له، واعتماد المدرس على الكتاب بشكل كلي قد يجعل التعليم والتعلم أحادي الجانب. إن التلاميذ لا يفعلون شيئا سوى إعادة كتابة ما كتبه آخرون . من هنا تأتي الدعوة إلى اعتبار الكتاب والبرنامج الدراسي ككل، مداخل لتحقيق كفايات وقدرات قد تختلف من وضعية إلى أخرى، فالتلميذ هو محور العملية التعليمية ، منه تبتدئ وإليه تنتهي .
الابتداء بالمتعلم هو الاعتماد الكلي على قدارته باكتشافها أولا، ثم بصقلها والاستفادة منها في تطوير مسار الدرس. طرق اكتساب اللغة كذلك يجب أن تراعي المتعلم بالانطلاق من تمثلاته حول اللغة، وتعتبر التمثلات أهم مقولة من مقولات الديداكتيك التلاتة التي هي: العقد الديداكتيكي، النقل الديداكتيكي والتمثلات .
وإذا كان العقد يمثل وسيلة أساسية للتعارف بين طرفي العملية التعليمية تلميذ / أستاذ . أستاذ / تلميذ، فإن النقل ينصب على المعرفة ذاتها بتحويلها من المستوى العالم إلى المستوى البيداغوجي ثم المستوى الديداكتيكي فمستوى الاكتساب. والتمثلات Les représentations هنا هي: " عبارة عن صيغة من المعرفة محددة وموزعة اجتماعيا ، تتوفر على توجه واقعي إجرائي ، وتهدف إلى بناء حقيقة أو واقع مشترك داخل مجموعة أو سياق اجتماعي "[1] . ودور المدرس هنا هو إما تدعيم التمثل أو تصحيحه أو بناؤه من جديد .
وإذا كان تعلم اللغة واكتسابها في مستوى الثانوي يتم اعتمادا على اللغة نفسها كقواعد، فإنه كثيرا ما تقف تمثلات التلاميذ بل وعلاقتهم بمحيطهم عائقا أمام تعلم اللغة العربية وخاصة بالنسبة للأقسام العلمية .
" هذه لغة أموات " هذا ما يخاله من يتعامل مع مقررات اللغة العربية في مستوى التعليم الثانوي وغيره، فنحن ندرس نصوصا لأناس قد مضوا وولوا. كل التلاميذ، أوجلهم على الأقل، يعتقد أن صاحب النص، أي الكاتب، لا بد أنه شخص قد مات . وأثناء حديثي مع الكثير من التلاميذ عن شخصيات هامة وكتاب معروفين اعتقدوا أنهم غير موجودين الآن ولا يمكنهم أن يوجدوا. عبد الكريم غلاب أو نجيب محفوظ مثلا ناهيك عن عبد الفتاح كليطو أو أحمد بوزفور أو صلاح بوسريف ...
لا يتخيل تلميذ المدرسة الثانوية المغربية - أو لا يكاد - أن بإمكانه الاتصال بكاتب أو كاتبة. فالمتنبي هو الشاعر ، والجاحظ هو الكاتب ، وابن بطوطة هو الرحالة المسافر. لا زالت تمثلاته حول الكاتب والكتابة تمثلات قدسية .الكاتب شخص مهم لا يشبه الناس، هذا ما يعتقده المتعلم. وسيساهم الكتاب المدرسي والمقررات الدراسية في تكريس هذا الأمر، فجل النصوص المختارة هي إما لكتاب مضوا ، وينتمون لعصور كلاسيكية/ أو لكتاب محدثين ولكنهم مشارفة يصعب التواصل المباشر معهم فأين الأدب المغربي؟ يتعلق الأمر بالمقررات الدراسية الصادرة قبل الموسم الدراسي 2004 ـ 2005 أي قبل صدور الكتب الجديدة والتي انتبه مؤلفوها للكتاب المغاربة فأثبتوا بعض الأسماء ولكن بنسبة ضئيلة قياسا بكتاب المشرق .
ضرورة الكاتب المعاصر :
كم في المغرب من كتاب وشعراء ؟ وهل يحتاج المغرب لكتابه وشعرائه ومفكريه ؟ إذا كان الجواب بنعم، فمتى وأين وكيف سيحتاج المغرب لكتابه ومفكريه ؟
نقصد بالكاتب المعاصر ذلك الكائن الذي يكتب قصصا، أشعارا، روايات، تأملات، نقدا ينتج أفكارا، تاريخا، فلسفة ...إلخ .
نقصد باختصار الكاتب الذي يملك مشروعا ثقافيا أو تصورا متكاملا حول الكتابة. ونعيد ونؤكد هنا على وجود الكثير من الكتاب المغاربة الكبار، الذين يملكون همَّ الكتابة والمكتوب، أي أصحاب المشروع الثقافي. إن الارتباط بالكاتب المغربي لا يأتي من دعوة إقليمية ضيقة بقدر ما يأتي نتيجة الارتباط بتصحيح تمثلات، وإعطاء الوضع الاعتباري لهذا الكاتب انطلاقا من المدرسة. فالمدرسة تؤرخ للحظة أو لحظات هامة من تاريخ الناس الشخصي ثم الجماعي. منها المنطلق، وهي لا تنتهي . المدرسة استثمار لصقل عقول وتوجيه أفكار نحو المستقبل. كل مجتمع بلا مدرسة هو مجتمع بلا مستقبل . والمدرسة إذا انفصلت عن جذورها، أعنى عن تاريخها، أصبحت عرجاء . فما معنى أن أدرس نصوص وأفكار أموات أو شبه أموات ، الموت بمعناه المجازي بما أن نص المتنبي هو حي باستمرار، كما هو نص نجيب محفوظ وشاكر السياب مثلا. الارتباط في التدريس بنصوص الأحياء - الحياة هنا بالمعنى الفيزيقي ـ ستضفي على مفهوم الكاتب والكتابة لباسا واقعيا.
حضور الكاتب الجسدي إلى المدرسة يجب أن يسبقه حضور نصه في المقررات الدراسية، هي ضرورة ستتضح أهميتها من خلال عرضنا لتجربة متواضعة في هذا المجال.
دعهم يقولون :
تدريس اللغة العربية في المدرسة يرتبط بمناهج دراسي، ووسائل ديداكتيكية، وطرق بيداغوجية منظمة في الزمن والمكان ، بحصص لها مدخلات ولها مخرجات ، من التعلم إلى تقويم التعلمات .
عادة ما نقول للتلميذ ما عليه قوله، نعطيه نصا جاهزا ونهيئ له أسئلة جاهزة سلفا، ونقدم له قوانين الجواب، لنشكله على الطريقة التي نريد، والتي قد تؤدي إلى نتيجة لا نريدها. ترك التلميذ يقول ويسأل ويعبر عن نص جاهز مختار بعناية وموجه بأسئلة وطرق نمطية قد لا يتيح إمكانية اقتحام النص وبالتالي تجاوزه بتلق متفاعل . نص جمعي سيمتحن فيه بشكل كتابي فردي في وضع جمعي وبقلم تنقيط جمعي . فكيف يشكل عقل وفكر حر، في وضع كهذا ؟ لحسن الحظ لدينا الأستاذ الموجه ومساعد المتلقي على تنظيم تلقيه .
تدريس اللغة العربية من خلال مقررات جاهزة واحدة لتلاميذ مختلفي القدرات يقود لمفارقة التدريس بالكفايات التي من المفروض أن تراعي وضعيات التعلم. علينا اختيار النص الملائم بعناية إذن، وعلينا قبل ذلك وبعده ترك التلميذ يقول ما لديه . دع التلميذ يقول ما لديه، دعه يقتحم النص واللغة منذ البداية، وينتج بالتالي النص الموازي. وهذا ما نطلق عليه تجاوزا اسم المحترفات الكتابية Les ateliers D’écritures. محترفات سيجرب فيها التلميذ قدرته على الإبداع داخل اللغة من خلال تخطيئها، وتصحيحها، وكتابتها من جديد، ومن هنا ضرورة الارتباط بلغة الحياة، أو بنص يعيش صاحبه بيننا، وبالإمكان الاتصال المباشر به.
هذه التجربة المحدورة في الزمان والمكان هي عصارة لقراءات وكتابات تلاميذ يحاولون تجاوز النسيان، وإنشاء كتابة سيرة ذاتية إبداعية تلاميذية تمت في مجموعة مدارس أطلس الخاصة بالرباط وبغيرها، بين 2003 و 2007 ، اختارنا منها ما رأيناه ملائما .
لماذا المحترفات الكتابية ؟
الأهداف :
تختلف أهداف المحترفات حسب الفئة المستهدفة، فلكل محترف أهدافه الخاصة التي يجب أن تحدد سلفا، وتعلن كعقد ديداكتيكي إما صراحة أو ضمنيا، وإذا أمكن تحديد القدرات والكفايات لهذه المحترفات فسيكون أحسن.
ومن الأهداف العامة للمحترفات الكتابية الإبداعية نذكر :
ـ أهداف لسانية وظيفية : التعبير عن أحاسيس ـ تحديد ملامح شخصيات ...إلخ
ـ أهداف ترمي لتنمية الرصيد اللغوي: نصوص مفتوحة ـ كتابة يوميات بإدخال مفردات محددة ...إلخ
ـ أهداف ذات بعد تربوي : التعبير عن موقف ـ الدفاع عن رأي ...
ـ أهداف تعبيرية : التعبير عما يدور في النفس لإبداع وتفجير الطاقة الكامنة فينا...
أهداف تعليمية آنية : كتصحيح أخطاء إملائية أو تركيبية
وعموما تحدد الأهداف تبعا لنوعية المستهدفين في ارتباط بالقدرات وارتكازا على الكفايات.
المعينات على الكتابة الإبداعية أو مساعدو المنجِز:
من أَهمَِ المساعدين : القواميس حسب المستوى ـ النصوص التي يجب أن تختار بعناية ـ لوحات ـ أشرطة ـ صور ...إلخ
وقبل كل محترف يتم تحديد العناصر التالية :
النوع : شعر ـ قصة ـ كتابة مفتوحة ـ تاويل ..
المستوى الكمي : عدد الأسطر المطلوبة في الإنجاز
مدة الإنجاز الكتابي : تحديد كم سيستغرق الإنجاز من طرف الفئة المستهدفة
منجز المحترف : المشرف على العمل
المعينات التربوية : تحدد إن دعت الحاجة إليها
[1] Michel Develay M De l'apprentissage à l'enseignement , ESP 2diteur, Paris 1992, p: 75
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق